حوار خاص عبر أثير «تسگدلت ويب راديو» | إعداد وتقديم: سعيد بلوقيد
تاسگدلت – آيت باها | في إطار مواكبة الكفاءات المحلية والتعريف بالتجارب الأدبية والثقافية المنحدرة من مناطق سوس، استضافت إذاعة «تسگدلت ويب راديو» الكاتب حسن أومولود، في لقاء حواري استعاد خلاله محطات من طفولته ونشأته بين آيت باها وتاسگدلت، ومساره الدراسي والأدبي، إلى جانب حديثه عن النشر المستقل، وأهمية القراءة، ودور التراث الأمازيغي في تشكيل ذاكرته وإبداعه.
وشكل اللقاء مناسبة لفتح نافذة على تجربة إنسانية وفكرية تستمد جذورها من البيئة المحلية، وتربط بين ذاكرة المكان والكتابة الأدبية، خصوصًا من خلال روايته باللغة الفرنسية «Dans les bras de Yogarthen»، التي خصص فيها فصلًا لحادثة انهيار معلم «أكادير نتسگدلت» التاريخي، مسلطًا الضوء على قيمة المخازن الجماعية الأمازيغية وضرورة الحفاظ عليها.
### النشأة بين آيت باها وتسگدلت.. جذور عائلية وارتباط وجداني
خلال حديثه عن هويته ومساره الشخصي، قدم حسن أومولود نفسه باعتباره إنسانًا بسيطًا وابن منطقة آيت باها، موضحًا أنه وُلد في فاتح يناير 1988، وهو تاريخ أشار إلى شيوعه في الحالة المدنية لدى عدد من أبناء ذلك الجيل.
واستعاد المتحدث جانبًا من تاريخ أسرته، موضحًا أن والده، محمد بن الحاج أحمد أومولود، كان يمارس الصياغة والتجارة، وعاش فترة في فرنسا ضمن الجيل الأول من المهاجرين. وأضاف أن والده توفي سنة 1989، وهو لا يزال طفلًا في عامه الأول تقريبًا، لتتولى والدته مسؤولية تربيته ورعايته، في مرحلة طبعتها صعوبات الحياة والاعتماد على الجهد الأسري.
وعن علاقته بمنطقة تسگدلت، أكد أومولود أن ارتباطه بها يرتكز على جذوره الأمومية، إذ تنحدر والدته من دوار إبيفولوسن التابع للمنطقة، بينما تعود جذور عائلة والده إلى إداوسملال بتفراوت، حيث كان جده يمارس صياغة الفضة، قبل أن تنتقل الأسرة إلى مركز آيت باها للاستقرار هناك.
وأوضح أن نشأته بين آيت باها وتسگدلت جعلت المنطقة جزءًا أصيلًا من ذاكرته، مؤكدًا محبته الكبيرة للأرض التي ارتبط بها منذ طفولته، وللأهل والبيئة الاجتماعية التي أسهمت في تشكيل شخصيته.
### طفولة التسعينيات.. بساطة الحياة وقوة التضامن الاجتماعي
استحضر الكاتب خلال اللقاء ملامح طفولته في آيت باها وتاسگدلت خلال تسعينيات القرن الماضي، واصفًا تلك المرحلة بأنها كانت بسيطة وتقليدية، لكنها غنية بالقيم الإنسانية والروابط الاجتماعية.
وأشار إلى أن المجتمع المحلي كان يتميز بالتقارب والتماسك، حيث كان الجميع يعرف بعضه بعضًا، وكانت روح التضامن حاضرة في مختلف المناسبات. كما تحدث عن تقليد «المعروف»، المرتبط بإطعام الطعام والتجمعات الجماعية، باعتباره ممارسة تعكس التعاون والتكافل بين سكان القرى والدواوير.
وبخصوص الألعاب، استعاد أومولود ذكريات الأطفال الذين كانوا يصنعون ألعابهم بأيديهم من مواد بسيطة، مثل الأسلاك والعلب والقوارير البلاستيكية، ويبتكرون عربات صغيرة وقطارات وأشكالًا مختلفة من اللعب، في غياب الهواتف الذكية والإنترنت.
وكان المذياع والتلفاز، بما في ذلك التلفاز بالأبيض والأسود، من الوسائل التي تجمع أفراد الأسرة، وتوفر لهم لحظات من الترفيه والتواصل. وفي هذا السياق، أوضح أن تلك المرحلة، رغم محدودية الإمكانيات، كانت غنية بالتجارب التي تركت أثرًا عميقًا في ذاكرته.
وعلى المستوى التعليمي، ذكر أنه تلقى تعليمه الأولي في المسجد «المسيد» على يد الفقيه سيدي أحمد بدوار أوخريب، حيث حفظ ما تيسر من القرآن الكريم، قبل أن يلتحق بمدرسة طارق بن زياد الابتدائية بآيت باها، التي وصفها بأنها مؤسسة عريقة تعود إلى فترة الاستعمار.
وأكد أن التربية في ذلك الزمن لم تكن مقتصرة على الأسرة، بل كانت الجيرة والمجتمع المحلي يساهمان بدورهما في توجيه الأطفال وتعزيز القيم الاجتماعية والتربوية.
من شغف القراءة إلى الكتابة الأدبية
لم يبدأ اهتمام حسن أومولود بالأدب بشكل مفاجئ، بل تبلور تدريجيًا منذ طفولته، من خلال حبه للقراءة واللغة الفرنسية والرسوم المتحركة التي كان يتابعها على القناة الوطنية خلال منتصف تسعينيات القرن الماضي.
وأوضح أنه كان يقرأ كل ما تقع عليه عيناه، بما في ذلك قصاصات الجرائد والأوراق ولفائف الحلوى والمكسرات، في تعبير عن فضول معرفي مبكر جعله ينفتح على الكلمات والنصوص بمختلف أشكالها.
كما تحدث عن تجربته في الرسم خلال المرحلة الابتدائية، حيث شارك في مسابقات وحصل على مراتب متقدمة، قبل أن تتجه اهتماماته بشكل أوضح نحو الكتابة الأدبية خلال المرحلة الإعدادية، عندما بلغ نحو السادسة عشرة من عمره.
وأشار إلى أن أولى محاولاته الكتابية تمثلت في قصائد ونصوص باللغة العربية، موضحًا أن أول قصيدة كتبها كانت عن الأم، قبل أن ينتقل إلى كتابة الخواطر والتعبير الإنشائي باللغة الفرنسية، مستفيدًا من تشجيع أساتذته وتنويههم بمحاولاته.
المسار الدراسي.. من بيوكرى إلى الأقسام التحضيرية بالرباط
في حديثه عن مساره الأكاديمي، أوضح حسن أومولود أنه حصل على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب والعلوم الإنسانية سنة 2006 من ثانوية الجولان بمدينة بيوكرى.
بعد ذلك، ترشح للأقسام التحضيرية للمدارس العليا، شعبة الأدب، بثانوية الليمون بالرباط، حيث تم قبوله ضمن فئة محدودة من الطلبة على صعيد جهة سوس ماسة آنذاك، وفق ما صرح به خلال اللقاء.
واعتبر أن هذه المرحلة شكلت محطة أساسية في تطوره الفكري والأدبي، إذ أتاحت له الاحتكاك الأكاديمي بالأدب العالمي والفرنسي، ووسعت آفاقه في مجال التأليف، كما ساهمت في صقل تجربته الكتابية وتطوير أدواته الأدبية.
النشر الأدبي.. بين دور النشر الكبرى والاستقلالية
انتقل الحوار بعد ذلك إلى موضوع النشر الأدبي، حيث استعرض الكاتب حسن أومولود الخيارات المتاحة أمام المؤلفين، موضحًا أن نشر الكتاب يمكن أن يتم عبر ثلاث صيغ أساسية.
وتتمثل الصيغة الأولى في التعاقد مع دار نشر كبرى، وهي صيغة أشار إلى أنها قد تتضمن، في بعض الحالات، شروطًا تعاقدية يعتبرها الكاتب مجحفة، خصوصًا فيما يتعلق بتوزيع العائدات والتحكم في المبيعات والظهور الإعلامي.
أما الخيار الثاني، فيتمثل في النشر التشاركي، الذي يقوم على تقاسم تكاليف الطباعة بين الكاتب ودار النشر، إلى جانب تقاسم الأرباح أو الخسائر الناتجة عن المشروع.
وبخصوص الخيار الثالث، وهو النشر الذاتي والمستقل، أكد أومولود أنه اختاره بنفسه، حيث يتحمل تكاليف الطباعة من ماله الخاص، ويشرف على مراحل التدقيق والمراجعة وتصميم الأغلفة والإخراج، بالتنسيق مع المطبعة.
ويرى الكاتب أن هذا الخيار يمنحه حرية واسعة في اتخاذ القرارات المتعلقة بكتبه، موضحًا أنه يتحمل مسؤولية الربح والخسارة، ومؤكدًا أن هدفه الأساسي ليس تحقيق العائد المادي، بل تقديم قيمة فكرية وثقافية للقارئ، وأن يكون الكتاب وسيلة لنقل المعرفة، ولو من خلال كلمة واحدة أو حرف واحد، بما يعتبره صدقة جارية.
### جماعة آيت باها.. مبادرة لتشجيع القراءة ودعم الكاتب المحلي
وفي سياق حديثه عن علاقة الكتاب بالمجتمع، توقف حسن أومولود عند مبادرة جماعة آيت باها، برئاسة الدكتور محمد اليربوعي، والمتمثلة في اقتناء نحو 600 نسخة من كتبه لتوزيعها جوائز تقديرية وتشجيعية على التلاميذ المتفوقين في المنطقة.
واعتبر الكاتب أن هذه المبادرة تحمل قيمة ثقافية وتربوية مهمة، لكونها تجمع بين دعم الكاتب المحلي وتحفيز الجيل الصاعد على القراءة والاطلاع، معتبرًا إياها خطوة مشجعة على تعزيز حضور الكتاب داخل الوسط التعليمي والمجتمعي.
كما وجه دعوة إلى الناشئة والشباب للإقبال على القراءة بمختلف اللغات، بما فيها الأمازيغية والعربية والفرنسية والإنجليزية، مؤكدًا أهمية الكتاب الورقي، الذي وصفه بأنه صديق يتميز برائحته وملمسه الخاص، ولا يمكن الاستغناء عنه أمام الانتشار الواسع للشاشات الرقمية.
«بين أحضان يوغرطن».. حين تتحول ذاكرة المكان إلى عمل روائي
ومن أبرز محاور اللقاء، حديث الكاتب عن روايته باللغة الفرنسية «Dans les bras de Yogarthen»، التي صدرت سنة 2021، والتي تحمل في عنوانها إحالة إلى رمز طبيعي من البيئة المحلية، وفق توضيحه.
وأكد أومولود أن «يوغرطن» في عنوان الرواية لا يقصد به الملك النوميدي الأمازيغي التاريخي، وإنما شجرة أركان معمرة أطلق عليها هذا الاسم. وأوضح أن شجرة الأركان «توسنفو» كانت مكانًا يجتمع فيه أهل القرية والشيوخ بعد كل عصر، لتبادل الأحاديث والحكم، وهو ما منحها مكانة خاصة في ذاكرته.
وتكشف هذه الرؤية عن حضور قوي للرموز الطبيعية والاجتماعية في تجربة الكاتب، إذ تتحول عناصر البيئة المحلية إلى مصادر للإلهام الأدبي، وتصبح الذاكرة الجماعية مادة للسرد والتأمل.
«الرزة».. رمز من رموز الثقافة والذاكرة المحلية
وتناول حسن أومولود، خلال اللقاء، الدلالة الثقافية لغطاء الرأس التقليدي المعروف باسم «الرزة»، موضحًا أنها لا ترتبط، في تصوره، بالزينة أو الحماية من الشمس فقط، وإنما تحمل رمزية مرتبطة بالموت والاستعداد للتضحية والدفاع عن الأرض والعرض.
وأشار إلى أن الرزة كانت تُستعمل، وفق الرواية التي قدمها، ككفن لمن يُستشهد في المعارك أو خلال المقاومة ضد المستعمر، معتبرًا أنها تجسد ارتباط اللباس التقليدي بالذاكرة التاريخية والقيم الجماعية.
وتندرج هذه القراءة ضمن اهتمام الكاتب بالرموز الثقافية المحلية، ومحاولته إبراز دلالاتها ضمن الكتابة الأدبية والوعي بالتراث.
أكادير نتسگدلت.. معلم تاريخي في ذاكرة الرواية
وفي الفصل السابع عشر من روايته «Dans les bras de Yogarthen»، المعنون بـ «Une autre couronne qui tombe»، أي «تاج آخر يسقط»، والذي أشار إلى أنه يوجد في الصفحة 105، وثق حسن أومولود حادثة انهيار حصن «أكادير نتسگدلت» التاريخي.
وأوضح أن علاقته بهذا المعلم تعود إلى طفولته، بحكم وجود منزل خالته في دوار بواگريز قبالة الحصن الجماعي، وهو ما جعله يراه منذ صغره ويتساءل عن أسراره وتفاصيله المعمارية وغرفه المهدمة.
ويستحضر الفصل الروائي مشهد انهيار المخزن الجماعي إثر الأمطار الغزيرة، وما خلفته الحادثة من حزن وصدمة لدى سكان القرية، في تصوير أدبي يربط بين مصير المعلم وذاكرة الجماعة المحلية.
وجاء في المقتطف الذي عرضه التفريغ:
> «خرج أهالي القرية يتقدمون بخطى حثيثة نحو المخزن الجماعي العملاق الذي طحنته أمطار الليلة الماضية الطوفانية... لم يتبقَ سوى الأنقاض، ودوى صوت الانهيار في ذاكرة الشاهدين.»
كما يصف النص المعلم المنهار باعتباره جزءًا من سلسلة طويلة من المخازن الجماعية التي طالها الإهمال والنسيان، في إشارة إلى المخاطر التي تهدد هذا الموروث المعماري الأمازيغي.
وأكد الكاتب أن توظيف هذه الحادثة في روايته يهدف إلى لفت الانتباه إلى أهمية الحفاظ على «إيگيدار»، باعتبارها مخازن جماعية تحمل قيمة تاريخية واجتماعية ومعمارية، معبرًا عن ارتياحه للمبادرات التي بدأت، حسب تصريحه، في مجال الترميم والاهتمام بهذا التراث.
### إصدارات أدبية متنوعة وتجربة متواصلة
وخلال اللقاء، استعرض حسن أومولود مجموعة من أعماله المنشورة في مجالي الرواية والشعر، إلى جانب اشتغاله على الترجمة الأدبية والكتابة باللغة الأمازيغية.
ومن بين إصداراته التي ذكرها:
* 2014: Fragments d'un cœur dolent، أي «شظايا قلب حزين»، الصادر في باريس.
* 2016: ديوان شعر فلسفي بعنوان Le rêve errant.
* 2017: رواية Pile ou face، أي «وجه أم قفا»، التي صدرت طبعتها الثانية سنة 2018.
* 2021: رواية Dans les bras de Yogarthen، أي «بين أحضان يوغرطن».
كما أشار إلى وجود ديوان شعري مرتقب يضم 63 قصيدة، إلى جانب كتابات ومقالات تتضمن ترجمات لقصائد عالمية وأعمال شعرية إلى اللغة الأمازيغية، في إطار اهتمامه بتوسيع حضور الأدب والترجمة داخل الثقافة المحلية.
### رسالة إلى الشباب.. التعلم والمعرفة وخدمة الأرض والهوية
وفي ختام حديثه، وجه الكاتب حسن أومولود رسالة إلى شباب المنطقة وأبناء الوطن، دعاهم فيها إلى عدم هدر الوقت، والحرص على التعلم واكتساب المعرفة والمهارات المهنية، مؤكدًا أن العمل المستمر في صمت يمثل سبيلًا لخدمة الأرض والهوية والثقافة.
وشدد على أهمية مواصلة الجهود في المجال الثقافي والفكري والمعرفي، مستحضرًا تضحيات الأجداد في الدفاع عن الأرض، ومعتبرًا أن مسؤولية الجيل الحالي تتمثل في مواصلة خدمة هذه الأرض من خلال العلم والعمل والإبداع.
كما تقدم بالشكر إلى والدته وأسرته وزوجته وأبنائه وأهله في آيت باها وتاسگدلت، وإلى الجمعيات والمحسنين وأبناء المنطقة الذين يساهمون في تنميتها، ومد الطرقات، ودعم سكانها، رغم انشغالاتهم في المدن الكبرى، مثل الدار البيضاء والرباط.
واختتم كلمته بتوجيه الشكر إلى إذاعة «تاسگدلت ويب راديو» على هذه الاستضافة، متمنيًا لها دوام التوفيق والوصول إلى أوسع الآفاق.
شهادة شكر وتقدير.. تكريم للعطاء الأدبي والثقافي
وفي ختام اللقاء، تقدم مقدم البرنامج سعيد بلوقيد بالشكر إلى الكاتب حسن أومولود على تلبية الدعوة والمشاركة في هذا الحوار، مشيدًا بما تضمنه من محطات إنسانية وأدبية وثقافية.
وبالمناسبة، جرى تقديم شهادة شكر وتقدير باسم «فضاء تاسگدلت للتنشيط الثقافي» وجمعية «أكادير إيغرم للتنمية والتعاون»، تقديرًا لعطاء الكاتب وإبداعه المستمر.
واختُتم اللقاء بتوجيه التحية إلى المتابعين والمستمعين، مع التأكيد على أهمية مواصلة المبادرات الإعلامية والثقافية التي تفتح المجال أمام أبناء المنطقة للتعريف بتجاربهم، وإبراز إسهاماتهم في مجالات الأدب والفكر والثقافة.
الضيف: الكاتب حسن أومولود
المحاور: سعيد بلوقيد

